Advertisements
أخبار جديدة

مِن حسن إلى الضابط… أمّا بعد 

محمد نزال
نتّصل به، هاتفيّاً، فنسمع أغنية «أجمل الأمّهات». أمّه التي لم تنتظر، لم تعش، لتُشاهد ابنها يُصفَع مِن «الوطن». أصبح أربعينيّاً وما زال طفلها، علّق صورتها في بيته، يشتاقها منذ ستّ سنوات، والآن يختنق صوته: «ما حسّيت حالي كبرت إلا بعد ما توفّت». قبل نحو أسبوع، أصبح حسن عقل أباً، فأسمى صغيره عليّاً.

هو الآن «أبو علي». هذا الذي صفعه عميد في قوى الأمن الداخلي، قبل أيّام، لأنّه قال له: «بدّي عيش». كان تحت تأثير الأبوّة الجديدة، تلك المرحلة التحوليّة التي تعصف بالرجل، الذي وإن قال «بدّي عيش» فإنّه لا يقصد بها، في العمق، سوى أنّه يُريد العيش لطفله. هكذا «نقّط» الضابط الأب بابنه الوليد: صفعة. رأينا حسن مكسوراً بعدها. صمَتَ. كان هذا أقسى ما في المشهد. يُدرِك أنّه لو أبدى غضباً ظاهراً، أو ردّ الصفعة بصفعة، أو حتّى بكلمة، فإنّ عظامه سوف تتحطّم.
لو كان ذاك الضابط مدنيّاً، لا يُرافقه شرطيّون، وأنت لا تعلم مَن يكون، ثم فعل بحقّك ما فعل، فما كنت ستفعل يا حسن؟ أبو علي حاضر، في تلك الحالة، لتغيير خارطة وجه الضابط. لا شكّ في ذلك. لكنّها البدلة، النجوم على الأكتاف، السُلطة التي يُقولون إنّ شرعيّتها مِن الشعب، وإنّها في خدمة الشعب، وإنّها تتقاضى أجرها مِن الشعب، وما إلى ذلك مِن عبارات متهافتة. هنا دعوة إلى الضابط العميد، أن يخلع بدلته، وأنّ يأتي وحده بلا حرس، وأن يخوض عراكاً مع حسن، مِن رجل لرجل، وأن تكون هناك كاميرا تُسجّل المشهد. هل سيُبادِر، كما فعل، بصفعة؟ سنرى. هذه ليست دعوة واقعيّة. لكنّها رسالة، إلى كلّ ضابط، إلى كلّ عسكري، إلى كلّ مستقو بما ليس فيه، ليعلم أن كلّ مَن جرى صفعه، قديماً وحديثاً، حاضر لخوض نزال صافعه، وجهاً لوجه، إنّما بشرط واحد: «بلا دولة». مَن يرفع يده مِن الضبّاط الضاربين؟ مَن يقول أنا؟ مَن يقبل التحدّي؟ الجبناء لا يفعلون. لطالما مورس الجُبن هذا، في زنازين وأقبية، فجرى تفريغ مختلف أنواع الساديّة على أجساد العُزّل الخائفين. هذه المرّة، وبالصدفة، كانت الصفعة فضيحة. لولا الكاميرا! نعرف مَن يفعلها لمجرّد المتعة النفسيّة. آلاف الذين مرّوا على «عُلَب العتمة» عرفوا ذلك. بعض الضاربين يسيل لعابهم لحظتها. ألم يقل أحدهم لأحدهم: «بول عليه يا عوّاد»؟ دعوة ضابط لمواطن لأن «يبول» على مواطن آخر، أمّا هو فيكتفي بمتعة المشاهدة، بعدما قضى مِن جسد العاجز حاجته. هذا غيض مِن فيض.
حسن ترك قريته، مع والديه، إلى بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. لا يكفّ يُردّد: «أنا زلمي بحالي، ما بعمري غلطت بحق حدا، ومين بصدّق إنّي ممكن أغلط بحق عميد ومعه حرسه!». عندما يتحدّث عن «الكفّ» إيّاه، يسكت قليلاً، يغصّ، يتلعثم، ثم يُكمل كمن يُريد إخبار محدّثه أنّه تصالح مع الفكرة. يُكابر. يقول: «عندي عيلة، ما عاد بدّي مشاكل، بس على أمل يكون يلي صار فرصة لحل مشكلة مئات المياومين العاملين بمؤسسة الكهربا». ما زال خائفاً. مِن حقّه هذا. لم يتقاض حسن راتبه منذ ثلاثة أشهر. لن ينسى ما حصل معه. تلك الصفعة، وإن أدخلته تاريخ المناسبات القذرة في لبنان، إلا أنّها، ومهما كابر وتجاسر، ستظلّ تتفاعل داخله، وهو، وحده، مَن يُدرِك داخله.

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: