Advertisements
أخبار جديدة

عاشوراء ومجتمع المقاومة

الشيخ شفيق جرادي

لطالما كان الحديث حول العلاقة بين التراث والمعاصرة، يشغل باب النخب الثقافية. إذ المفكّر الفاعل، هو ذاك الباحث عن روح الفكرة أو الظاهرة، وعلاقتها بالنبض الحيوي للناس. والنخب الفكرية الفاعلة، يستحيل عليها إلّا أن تنخرط بهموم الناس وقضاياهم. ذلك أنها من الناس كانت، وعلى هديهم تشكّلت هويتها ومقولاتها ومواقفها.

ومن هذا التراث، عاشوراء؛ إذ إن محرّم الحرام كظرف زمني يستجلب معه عند كل عام حضوراً مميّزاً لمناسبة تاريخية عميقة الأثر في الوجدان الديني، الإسلامي، بنحو خاص. ولها أثرها الملموس في كثير من الوجدان الإنساني. فعاشوراء يصح عليها تسمية المجرزة الجماعية، وحرب التطهير المذهبي، والفجيعة، والمأساة، في الوقت الذي يمكن إدراجها ضمن لائحة الأحداث الدينية المفصلية. كما أنها على المستوى الإسلامي الشيعي وصلت في تأثيرها للتماس مع المعنوية العقائدية. إلا أن الملفت في هذه المناسبة ملازمتها الدائمة للحس الشعبي العفوي، سواءً منه ذاك الذي يُفرط في الاستجابة لانفعالاته الحادّة والتي قد تصل فيه لإحداث جراح في الرأس والبدن. أو ذاك الذي يتفاعل مع المناسبة باعتبارها مأتماً يجتمع فيه الناس ليسمعوا سيرة العزاء وليبكوا ويتناولوا من ضيافة المجلس، وليلبسوا الأسود، ويفرضوا أحياناً على بيوتهم آداباً يمارسونها شبيهة بما يفعلونه عند توفي أحد أقاربهم، من مثل منع عقد القران، أو إبراز الفرح، بل وكانوا قديماً يرفضون إشعال التلفاز وغسيل الثياب وغير ذلك…
طبعاً، هناك تغيّرات كبيرة حدثت اليوم عند هؤلاء، إلّا أنها تغيّرات غير جذرية، بل هي تمثّل تساهلاً في اعتماد بعض مظاهر الحزن من أمورٍ مرّ ذكرها… لكن الجديد في عاشوراء يقع اليوم في حقل من التحيّزات الثقافية الجديدة. وهي تلك التي سعت لوصل الروح الكربلائية بقيمها الاستنهاضية على اللحظة المعاصرة في حياة الرساليين ممن يعتنقون أيديولوجيا «الإباء الحسيني». وهؤلاء يطيب لهم أن يطلقوا على أنفسهم اسم جماعة «الإسلام المحمدي الأصيل»، ويطيب للآخرين أن يسمونهم بجماعة «ولاية الفقيه»، أو «الخمينيين»، أو إلخ… على كل حال لا شُغل لنا بكل هذه التسميات؛ لأن ما يعنينا هو الطابع الذي اتسمت فيه المناسبة العاشورائية عند تيار إحيائي جديد. والذي عمل على إجراء نقد لمضمون مجلس قارئ السيرة الحسينية بشكل حافظ فيه على «التقليد»، وأبعد كثير من الصور الخيالية التي شبّهها بعضهم بالمـُدخلات الأسطورية، ثم أقام توازناً بين المجلس «الصوت العزائي» بما يمثّل من ربط عاطفي جيّاش بالمناسبة، وبين الكلمة «الخطيب» بما تحمل من تثقيف سياسي ووعظي وثقافي في أغلبها. وصار موسم الأحزان عينه هو موسم ثقافي لنشر الثقافة الجهادية والولائية، وهي التي يطلق عليها هؤلاء اسم «الإسلام المحمدي الأصيل». لم تقتصر المناسبة عند هذا الحد، بل دخل فيها جملة أمور منها:
الأمر الأول: مجالس اللطم الهادف، والتي باتت مع الوقت بمثابة الأنشودة الثورية الخاصة بهذه الجماعة.
الأمر الثاني: المسيرة العاشورائية، يوم العاشر من محرّم. والتي يحتشد فيها أوسع مشاركة شعبية منظّمة تعكس طبيعة التنظيم الشعبي الثوري التي تتوافق مع رؤية النهج الخميني في تحشيد الحراك الجهادي للناس.
الأمر الثالث: الخطبة الأخيرة. وهي في نهاية المسيرة الشعبية والتي تحولت إلى محطة لقراءة المراجعة العملانية لما يعتبرونه عهد الدم؛ مع قضايا التحرّر؛ والمقاومة والاستنهاض والتي تقع قضية فلسطين على رأس تلك الأولوية.
الأمر الرابع: من الأمور التي بدأت بالتفاعل في الآونة الأخيرة، المبادرات الشبابية لتنظيم هيئات حسينية تُعنى بالنظافة في المجالس والمسيرة، وهيئات للإطعام المجاني في المجالس والشوارع والساحات العامة، وهيئات ناشطة على المستوى التثقيفي للأطفال، (الحكواتي)، والمرسم الفني والذي بدأ يجمع فنانين من غير المسلمين حتى، كما وتنشيط وسائل التواصل بشكل تثقيفي هادف.
وهذه المراجعات والأعمال الجديدة تُنبئ عن إمكانية قيام بناءات مجتمع مدني، أو إن شئت فقل: مجتمعاً أهليّاً يتمركز حول الحدث التاريخي المفصلي في دنيا الإسلام وهو عاشوراء. مما يعطي المناسبة زخماً ثقافيّاً وسياسيّاً عملانيّاً يرتبط بواقع الناس ويؤهّل عصرهم ليكون مبنيّاً على نمط حياة خاص. فالمقاومة على سبيل المثال اليوم، لم تعد مجرد إعداد لعملية عسكرية، صغُرت أو كبُرت، بل صارت موصولة بذاكرة تاريخية تفتح الأفق المعنوي على عقائد التضحية والبذل، كما أنها ذاكرة للتاريخ تتصل بأفق مستقبلي من أمل الموعود بالنصر والفلاح الإنساني. وهذا الوعي والتبصُّر لقيم الحدث ساعد بشكل فاعل على أن تكون المقاومة قيمة تأسيسية لمجتمع مقاوم في يومياته وطموحاته، وها هي تتهيّأ لتكون نمط حياة. ومن هذه الزاوية لم يعد السؤال المركزي في حركة مثل هذه المقاومة متى وكيف نقيم دولة إسلامية؟ بل السؤال الفعلي كيف نحقق انتصارات على ثلاثي الاستكبار/ الاستبداد/ الظلم؟ وقد يكون الجواب في تشكيل حصانة القوة القادرة على فرض إرادة المواجهة، أو قد يكون الجواب في التماهي مع تعددية شعب ووحدة وطن يقومان على فلسفة الاقتدار وسياسات الاستقلال. وهذا ما يجعل للمعتقد والقناعة الدينية طابع التناغم مع المحيط والبيئة المحيطة، وهو تناغمٌ مقتبس من أصل الأطروحة الدينية، وليس أمراً برّانيّاً أو تكتيكيّاً. وقبل أن أقفل هذه الملاحظة لا بد من القول: إن هذه الظاهرة الناشئة، والتي تتحرك بقوة واندفاع.
تواجه إشكاليات داخلية كبرى، سواءً مع الداخل الذي يفهم عاشوراء أنها «مأساة مذهب» عليه أن يثأر لنفسه، أو مع القائلين: إنها عادات توارثناها ليس إلّا. كما أن هناك إشكاليات مع الخارج الذي يريد أن يصوّر واقع العيش العاشورائي على أنه عصبية دينية مذهبية انحصارية وإقصائية. هذا يعني أن أمام التيار الإسلامي الذي يقدِّم هويته العاشورائية على أنها «نهضة مقاومة» درباً طويلاً من المقاومة والبناء الاستراتيجي.
* رئيس معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

الاخبار

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: