Advertisements
أخبار جديدة

“لين”.. وكل يوم قصة من عاشوراء

تحيي مجموعة #لين  ذكرى عاشوراء على طريقتها الخاصة، ومن ضمن نشاطاتها توزيع قصة يوميا في المجالس مستوحاة من معاني عاشوراء وتضحيات اهل البيت (ع) ، ربطا بمسيرة المقاومة وشهدائها وتضحياتها حتى يومنا هذا. وترفع المجموعة هذا العام شعار “الا جميلا”، في استحضار لرد بطلة كربلاء السيدة زينب(ع) على شماتة الطاغية بها، حين تقول: ما رأيت إلا جميلا.

قصة اليوم الاول بقلم الشيخ محمد باقر كجك

لم يأت محمد!

 الهدوءُ في هذه الدّقيقة خادعٌ، وكلُّ شيء يكتسي ثوبَ الصّمت. وأنا أقفُ على هذه الزَّاوية من الشَّارع الممتدِّ أمامَ مجمع سيِّد الشهداء، أشعرُ أنَّ الضاحية كلّها حبست أنفاسها، قبل أن تشتعل عاصفةُ النشاط الاعتيادي لها من جديد.

 بعد خمس دقائقَ، ستصرخُ عقارب السَّاعة معلنةً تمام الثَّامنة والنّصف مساءً. سيحضرُ “محمّد”، وألتقي به عند هذا العامود الكهربائي، تماماً كما كنَّا نفعلُ في عاشوراء طوال السّنوات التي مرّت من قبل.

 سيأتي من بعيد، وجههُ أبيض، عيناهُ تنبّؤك من على بعد ميلٍ بمقدار الحزن الذي فيهما، وتكاد تسمع دقّاتِ قلبه من حيث تقف.

 مرَّةً قال لي: “كلُّ شيءٍ في عاشوراء يشبه الإنسان. كلُّ شيء. بل إنَّ أجمل ما في عاشوراء أنَّها مرآةٌ، تقف أمامها وتبدأ بملاحظة كلِّ عيوبك، وتحاول أنْ تحسّن في نفسك كلَّ شيءٍ.

 كنتُ أظنُّ أنَّ الحزن في عاشوراء، مثلاً، مفيدٌ. لكن تبيّن لي، أنَّ الحزن في عاشوراء ضروريٌّ جداً. أتعرف يا صديقي؟ الحزن الحقيقي علامة المعرفة، حتى ولو لم تأخذها من كتاب، لكنها علامة معرفةٍ تدفّقت فجأة في قلبك وبإصرارٍ هائلٍ تماماً كنبعٍ تدفعه أعماق الأرض إلى السماء.

 مرةً، رأيتُ شاباً يبكي خلف دشمةٍ مدعّمة في الجنوب، في فصلِ شتاءٍ باردٍ. قلتُ له يا صديقي لم البكاء؟ فقال لي: اكتشفتُ البارحةَ نفسي وهي تحاول الهروب من البقاء في هذا الطقس الجليدي، هكذا فجأة في الليل. كان البردُ يمسكُ أطرافي ويغرزُ فيها أشواكاً سامّةً. وقعتُ على الأرضِ، أحسستُ بالعجزِ، والعجزُ يسقطُ التكليف عن الإنسان. في تلك اللحظة أغمضتُ عيني، وعدتُ أسمع صوت الحسين يدوّي في سماء الجنوب الفارغة: “هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً”! أقسم لك يا محمد إنّ قلبي كاد يتوقف. ورأيتُ بعيني ألف جندي إسرائيلي يدخلون إلى هذه الدشمة ويسفكون دماء الحسين. أنا!؟ أتركُ دشمَ الجنوب وأركبُ ظهر الليل؟ حينها دخلتْ عاشوراء إلى قلبي وبكيتُ. بكيتُ حتى اشتعلتُ بحرارةٍ أذابتْ بردَ الخوفِ والجبنِ والضعفِ عن قلبي! وأحسستُ بطعمِ معرفةٍ لذيذة على لساني!”

 قال لي محمد، حينها، “وأنا، أضع قلبي كلَّ مرَّةٍ أمام زينب، وأسأله: متى ستصبح عاشقاً كزينب؟ تصلي صلاة الليل من جلوس، ورأس أخيها معلق بين السماء والأرض؟ وأنا، أنظر في المرآة كلَّ يومٍ في عاشوراء، وأسأل وجهي: هل هذا الوجه مبتلىً بالذنوب؟ هل هاتان العينان متعبتان بالنَّظر الحرام؟ هل هذا الفم المليء بالغيبة يستطيع أن يصرخ يوم العاشر: لبيك يا حسين، فينخلع قلب كل شمرٍ في العالم من هذا النداء؟..”

 أخذت أتذكَّر كلام محمّد. ووجهه. وقلبه. ونور عينيه.

 ثم، أصبحت الساعة التاسعة مساءً.

الضاحية مليئةٌ بالناس، الشباب يهجمُ بهم العشق للحسين ويأتي بهم إلى المجمع.

 وأما أنا، أقف وحيداً ههنا.

انتظرته وحدي كل يوم.. مرّت الأيام.

 ولم يأت محمد.

إنها السنة الأولى على شهادة محمد.

بقلم الشيخ محمد باقر كجك

#لين

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: