Advertisements
أخبار جديدة

«تجليطة» القاضي صقر: أوقِفوا دويري الآن

كيف جُزِم أنّ «مرور الزمن الثلاثي» لم يُقطع وأنّ الجرم ليس متمادياً؟ (أ ف ب)

أن تستغفل «الرأي العام» ومعه «الرأي الخاص» وكلّك ثقة أنّك ستنجح، وتنجح فعلاً، فأنتَ القاضي صقر صقر. نحن أمام فضيحة تستدعي، أقلّه، فتح تحقيق أمام «التفتيش القضائي»… وبالتالي إعادة فتح ملف المخرّج السينمائي زياد دويري. لن يُصبح التطبيع «عُرفاً». هذا لعب بالنار. إليكم ما حصل

محمد نزال

لحظة، كيف تَرَك القضاء زياد دويري؟ الجواب: «تجليطة». ضُحِكَ على «الرأي العام». فلِمَن يهمّه القانون، إليكم القانون، وبالتالي، الفضيحة. وكيل دويري، المحامي نجيب ليان، صرّح إعلاميّاً أنّ موكّله «استُدعي إذ نُسِب إليه أنّه زار فلسطين المحتلّة، على أساس المادة 285 مِن قانون العقوبات، مِن دون موافقة صريحة مِن السلطات اللبنانيّة. لكنّ الأفعال المُلاحق بها مرّ عليها الزمن كلّها، بانقضاء ثلاث سنوات، فالقضيّة انتهت نهائيّاً». لا يا حضرة «الأفوكاتو». القضيّة لم تنتهِ.

كذلك يا حضرة القاضي صقر صقر، يا مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة، القضيّة لم تنتهِ. لِمَ يا صقر طبّقتَ فعل دويري على المادة 285 مِن قانون العقوبات بدل تطبيقه على المادتين الأولى والسابعة مِن «قانون مقاطعة إسرائيل»؟ لمَ رأيتَ أن جرمه جنحة لا جناية؟ هل تظنّ أن «الرأي العام بغل» على طريقة سعيد تقي الدين؟ فاتك احتمال وجود أكثر مِن سعيد في عصرك.
إليكم «تجليطة» صقر صقر. يوجد لدينا في لبنان قانون اسمه «مقاطعة إسرائيل». لم يلجأ إليه القاضي صقر. قانون خاص بالموضوع الإسرائيلي، وقضيّة دويري هي الصلة بالإسرائيلي، والتعامل معه، وإجراء العقود، ومع ذلك لم يلجأ القاضي إلى هذا القانون. لجأ بدل ذلك إلى قانون العقوبات (العام) الذي لا ترد فيها، إطلاقاً، لفظة إسرائيل. إنّه يتحدّث عن «العدو» بشكل عام. أمّا القانون المخصّص للتعامل مع العدو الإسرائيلي، تحديداً، فكأنّ صقر لا يعرف بأمر وجوده. لا يعرف؟ المادة 285 (عقوبات) التي ركن إليها القاضي تنص على الآتي: «يُعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة (…) كلّ لبناني وكلّ شخص في لبنان مِن رعايا الدول العربيّة يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وبدون موافقة الحكومة المسبقة بلاد العدو». هذه جنحة. لنوضح أكثر. العقوبة التي تكون مدّة السجن فيها دون ثلاث سنوات جنحة، أمّا ما فوق ذلك فتكون جناية. فعل دويري، بحسب قانون الاختصاص (مقاطعة إسرائيل)، يُعدّ جناية. تصل عقوبته إلى السجن عشر سنوات. قضاؤنا (الفظيع) أراد لفعل دويري أن يكون جنحة لا جناية. لماذا؟ لأنّ أجهزتنا الأمنيّة (الفظيعة أيضاً) لم توقف دويري لحظة بعد وقوع الجرم. تُرِك هكذا (لسبب ما). إهمال؟ أيّاً يكن، مضى على جرمه أكثر مِن ثلاث سنوات. هذا يُسقط الملاحقة عنه بفعل «مرور الزمن الثلاثي» في الجنحة، ولكن في الجناية فإنّ الحديث عندها يُصبح عن حاجة إلى «مرور الزمن العشري» لسقوط الملاحقة.

إليكم ما ينصّ عليه قانون «مقاطعة إسرائيل». تنصّ المادّة الأولى مِنه على الآتي: «يُحظر على كلّ شخص، طبيعي أو معنوي، أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيّتهم، أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجاريّة أو عمليّات ماليّة، أو أيّ تعامل آخر أيّاً كانت طبيعته». هذا في نصّ المادّة الأولى، أمّا المادّة السابعة فتقول: «يُعاقب كلّ مَن يُخالف أحكام المادتين الأولى والثانية بالأشغال الشاقة المؤقّتة مِن ثلاث إلى عشر سنوات وبغرامة (…)». هذه تنطبق على فعل دويري. المادّة واضحة لا تقبل التأويل: «أو أيّ تعامل آخر أيّاً كانت طبيعته». أوقفوا دويري الآن، الآن الآن، وليفتح التفتيش القضائي (الفظيع هو الآخر) تحقيقاً في مخالفة القاضي صقر، في «الخطأ الجسيم» (على فرض حسن النيّة) الذي وقع فيه، وإلا فإنّ السابقة ستفتح أبواباً الجميع بالغنى عنها. فعلة دويري جناية لا جنحة، وسقوطها بفعل مرور الزمن (وفق قانون أصول المحاكمات الجزائيّة) هو عشر سنوات. هذا رغم أن دويري قفز فوق «أيّ تعامل آخر أيّاً كانت طبيعته» إلى حدود إقامة عقود عمل مع الإسرائيليين، الذين اشتركوا في إنتاج الفيلم، وكلّ الأسماء معلنة وصاحب الجرم نفسه يُعلن هذا ولا يُنكره. نحن أمام فضيحة تضاف إلى فضيحة عدم ملاحقته، في البداية، يوم شيوع خبر الجرم. المسألة ليست في دويري، ليست شخصيّة، القانون، لِمَن يهمه القانون، لا يعترف بالأسماء والمواقع والأشخاص.
نسأل أحد قضاة التحقيق السابقين في المحكمة العسكريّة، عن هذا القفز المريب فوق قانون «مقاطعة إسرائيل» والاكتفاء بقانون العقوبات، فيُعرب عن دهشته مِما حصل. نسأله هل ثمّة ما يُعطل قانون المقاطعة إداريّاً؟ يُجيب: «كلا، يُفترض أن يُعمل به، فما حصل هو تخريجة مِن أجل ترك صاحب الجرم». إذن، القانون ليس معطّلاً. المسألة ليست في القانون، بل في الأشخاص، في الذهنيّة الحاكمة، في مَن أُوكل إليه تطبيق القانون، وصولاً إلى «تيّار تطبيعي» ينتشر في كثير مِن مفاصل سُلطات الدولة. مقرّر لجنة «مقاومة التوطين والتطبيع» في نقابة المحامين في بيروت، المحامي فؤاد مطر، يقول: «أسجّل استغرابي واستهجاني لوصف جرم دويري كجنحة لا كجناية، ما يُناقض نص قانون المقاطعة الصادر عام 1955. ما حصل، أي القفز فوق القانون المذكور، هو مخالف أيضاً للنصوص الصادرة عن مكتب مقاطعة إسرائيل التابع لجامعة الدول العربيّة، التي يلتزم لبنان تطبيقها». يُضيف مطر: «اقترحنا سابقاً، ونقترح الآن، تعديلاً في قانون مقاطعة إسرائيل ليُصبح تابعاً لوزارة الدفاع بدل وزارة الاقتصاد. المسألة تتعلّق بالأمن القومي للبلاد».
بالمناسبة، وفي أسوأ الحالات، إن قبلنا بكون فعل دويري جنحة لا جناية، فمن قال إن «مرور الزمن الثلاثي» تحقّق في قضيّته أصلاً؟ المادة العاشرة مِن قانون «أصول المحاكمات الجزائيّة» تنصّ على أنّه: «يقطع كلّ عمل مِن أعمال الملاحقة أو التحقيق أو المحاكمة مرور الزمن في الدعوى العامة». هل جرى التأكّد مِن عدم حصول «عمل ملاحقة» (ولو كان ببرقيّة إداريّة أو حتى باتصال هاتفي) مِن الأجهزة الأمنيّة؟ هل بحث صقر في الأمر؟ ربّما سيجد مَن يخبره أن اتصالات حصلت، خلال السنوات الثلاث، بين الأمن العام واستخبارات الجيش. أكثر مِن ذلك، لو أراد القاضي صقر محاكمة دويري، لو كانت لديه الرغبة بذلك انطلاقاً مِن حس مقاطعة نابع مِن ذاته، أو لو كان يخشى المساءلة والمحاسبة مِمَن يضعون سياسة الدولة العليا، لوجد في فقرة مِن المادة (العاشرة المذكورة) ما يُمكّنه مِن التوقيف والتحويل إلى المحاكمة: «يبدأ سريان مرور الزمن في الجرائم الآنيّة مِن تاريخ وقوعها. أمّا الجرائم المستمرة أو المتماديّة أو المتعاقبة فلا تبدأ إلا مِن تاريخ انتهاء الحالة الجرميّة». ألا يُمكن عدّ فعل دويري متمادياً؟ المسألة لا تتعلّق فقط بدخوله بلاد العدو، بل بالتواصل المستمر، حتّى بعد انتهاء الفيلم، في اللقاءات والاحتفالات والتكريمات، فضلاً عن استعلائه «المُستمر» إضافة إلى «تماديه» في التبجّح. أكثر مِن ذلك، ألا يُمكن القاضي «الاستئناس» بنص المادة 328 مِن القانون الأخير التي تقول: «إن سقوط العقوبة المحكوم بها بمرور الزمن لا يحول دون سماع طلب إعادة المحاكمة»؟ يُحكى عادة عن «روح القانون» وعن «قصديّة المشرّع» وما شاكل، وهذا كلّه، حتماً، يعرفه القاضي صقر ومجلس القضاء الأعلى وسائر القضاة. كان يُفترض بـ«التجليطة» أن تكون أكبر حبكاً. فاتهم ذلك. عليهم الآن يجدون ترقيعة أخرى، تحاشياً لأن تُثبّت سابقة تطبيع، ثم تُصبح «عُرفاً» مكرّساً، وعندها… أيّاً يكن.
للمحامي فؤاد مطر كتيّب بعنوان «في مواجهة التوطين والتطبيع». صدر قبل نحو عامين. وضع على صفحة غلافه الخلفيّة كلمات للشاعر طارق ناصر الدين: «رُدّي يا كتب الله على أسئلة المتفائل. رُدّي يا جثث الأطفال، فقد كثر السائل. مِن بحر البقر إلى النبطيّة، عندي أجوبة ورسائل. كلّ شهيد يتقدّس دمه، يُنبت سوسنة، تنطق: لا للتطبيع مع القاتل».

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: