Advertisements
أخبار جديدة

اصلاح مصلحة التعليم الخاص: كيف؟ ولماذا؟

من حمى موظفي مصلحة التعليم الخاص خلال العهود المتعاقبة من المحاسبة؟ (مروان طحطح)

عدم قيام مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية بمهماتها المنصوص عليها في القانون 515 لجهة غياب التدقيق في الموازنات والاستخفاف بدور لجان الأهل، هو أحد العوامل الرئيسية لـ«فلتان» المدارس الخاصة، وإمعانها في فرض زيادات عشوائية على الأقساط بلا حسيب أو رقيب

سهام أنطون

مصلحة التعليم الخاص هي إحدى وحدات وزارة التربية التي تضم موظفين لا يتخطى عددهم أصابع اليد الواحدة والموكلون منهم بدراسة موازنات 1400 مدرسة خاصة غير مجانية وشبه مجانية هم اثنان او ثلاثة من المحظيين، وبعضهم قارب السن القانونية. وبالإضافة إلى هؤلاء، يحقّ للوزارة الاستعانة بخبراء محاسبة مجازين أو مكاتب تدقيق ومراقبة الحسابات مسجلين في نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان

.وقد أناط القانون 515 الذي ينظّم شؤون موازنة المدارس الخاصّة وانتخاب لجان الأهل، بهذه المصلحة مهمات أساسيّة، منها:
* الإشراف والتدقيق على الموازنات المدرسيّة (البند رقم أ من المادة رقم 3). إذ يفرض القانون على المدرسة أن تُرفِق مشروع الموازنة الموقعة من لجنة الأهل، بعدد من المستندات، أهمها: صورة طبق الأصل عن محضر الهيئة المالية (وهي لجنة ماليّة تتألف من عضوين من أعضاء لجنة الأهل) الذي يبيّن موقف لجنة الأهل من الموازنة المدرسيّة (موافقة/ رفض)، وصورة عن بيان المعلومات بالأسماء والرواتب والأجور المقدم إلى إدارة صندوق التعويضات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة.
إنّ وجود هذه المستندات وصحتها يعدّ عاملاً حاسماً بالنسبة إلى الأهل والمعلمين في المدرسة على حدّ سواء، وعدم وجودها أو التلاعب بها يسبب ضرراً كبيراً لعدد من الأطراف.
ومن بعض هذه الأضرار:
– تعريض حقوق المعلمين وصندوق التعويضات للضياع، إذ تثبت البيانات التي ترفقها المدرسة بالموازنة موقّعة من صندوق التعويضات أنّ هذه المدرسة قد دفعت المساهمة التي يجب عليها دفعها عن كلّ معلّم/ة، وصرّحت بأسماء هؤلاء جميعاً، ما يحفظ حقّهم في ضمّ الخدمات وتقاضي تعويضات نهاية الخدمة. لكنّ تغاضي مصلحة التعليم الخاص عن إلزام العديد، وأكاد أقول غالبيّة المدارس، بتقديم هذا المستند مع مشروع الموازنة، يسمح لهذه المدارس بالتلاعب بتعويضات المعلّمين، فلا تصرّح عن كامل أسماء المعلّمين، ولا تدفع للصندوق كل ما يستحقّ عليهم، ما يحرم الصندوق مداخيل أساسيّة. أمّا الضرر الذي يصيب المعلّمين نتيجة هذا التغاضي فكبير، إذ كثيراً ما يفاجأ معلمون بعد انقضاء عدد كبير من سنوات خدمتهم بأنّ المدرسة لم تصرّح بأسمائهم لصندوق التعويضات أو لم تدفع مساهمتها عنه، ما يعرض حقوقهم لخطر الضياع!
– التلاعب بالموازنات والاستخفاف بموقف لجان الأهل: إنّ تغاضي مصلحة التعليم الخاص عن تقديم المدارس الخاصّة موازنات غير مرفقة ببيان الهيئة الماليّة الذي يبيّن موقف لجنة الأهل من الموازنة، يعني عملياً تعطيل قدرة لجان الأهل في الإشراف على الموازنات ورفض الزيادات الجائرة التي تفرض عليهم.
ويكتمل الإطباق على دور لجان الأهل بعدم تشكيل «المجالس التحكيميّة» التي تبتّ في النزاعات بين المدارس ولجان الأهل، ما يسمح بتعطيل كلّ سلطة رقابيّة تستطيع أن تحدّ من الزيادات الجنونيّة في الأقساط المدرسيّة.

* مراقبة تطبيق أحكام القانون 515 وإحالة المدارس المخالفة على المحاسبة القضائيّة: تنصّ المادة الرقم 13 من القانون 515 على الصلاحيّة المعطاة لمصلحة التعليم الخاص في مراقبة الأقساط المدرسيّة، فإذا وجدت أنّها مخالفة لأحكام القانون 515 أو غير مبرّرة، يحق لها اتخاذ عدّة اجراءات تصاعديّة، هي:
– دعوة إدارة المدرسة إلى التقيد بأحكام القانون تحت طائلة الملاحقة القضائية.
– تجميد أي زيادة بقرار من وزير التربية بناءً على اقتراح من رئيس مصلحة التعليم الخاص.
– تعيين خبير في المحاسبة يدرس موازنة المدرسة ويقدّم تقريره للمصلحة.
– تحدد المصلحة للمدرسة قيمة الأقساط أو الزيادة التي يحقّ لها فرضها.
– إحالة المدرسة على المجلس التحكيمي المختص بقرار من وزير التربية.
والإخلال بهذه المهمات يؤدي إلى تعطيل السلطة الرقابيّة على الأقساط، إذ نتساءل كم مرّة قامت مصلحة التعليم الخاص بتنفيذ المادة 13 وراقبت الأقساط المدرسيّة أو جمّدت الزيادات غير المبررة؟
يتبيّن أنّ عدم قيام مصلحة التعليم الخاص بمهماتها هو أحد عوامل «فلتان» المدارس الخاصّة وارتكابها مجازر بحقّ اللبنانيين من دون حساب أو مراقبة، إذ ازدادت أقساطها منذ 1996 حتى 2016، ودون احتساب الزيادات نتيجة سلسلة الرتب والرواتب، نحو 400% بحسب دراسة أعدها الباحث الاقتصادي د. رضا حمدان.
لماذا لا تقوم مصلحة التعليم الخاص بالمهمات المنوطة بها؟ وهل تعطيل دور المصلحة وعدم تشكيل المجالس التحكيميّة أمر بريء ويحصل صدفة؟
لا تقوم مصلحة التعليم الخاص بدورها، لأنّ الهدر والفساد وسوء الإدارة بلغت حداً غير مسبوق، إذ يعلم الكثيرون من الأهالي أنّ لكل مدرسة خاصّة موازنتين: واحدة حقيقيّة تتضمّن الأرقام الحقيقيّة للإنفاق والأرباح، وأخرى شكليّة وهي المعلنة، ينظّمها أحياناً للمدرسة أحد موظفي مصلحة التعليم الخاص، فتضمن بذلك عدم اعتراض المصلحة على الأرقام الفاضحة وعدم التوازن الصارخ بين عناصر الموازنة المختلفة، وأهمها: الأقساط، عدد التلامذة، رواتب الأساتذة والمعلّمين والمصاريف التشغيليّة، إلخ.
ولكنّ السؤال: من الذي حمى موظفي مصلحة التعليم الخاص خلال العهود المتعاقبة من المحاسبة (تسلّم وزارة التربية وزراء من تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ واليوم الحزب التقدمي الاشتراكي)، إذا كانت المخالفات التي تنسب إليهم صحيحة؟ هل يدير رئيس مصلحة التعليم الخاص هذا البازار ويوزّع المغانم من جهة، ويُقصي من لا يشارك فيه من جهة أخرى؟ وبذلك يحفظ رأسه، إذ يتقاسم المردود الذي يردد البعض أنه «جارور ذهب» مع أزلام السلطة فيوفّرون له الحماية؟ ما نقوله هو بمثابة إخبار يجب أن تؤكده التحقيقات أو تنفيه.
من هنا، أعتقد أنّ إصلاح مصلحة التعليم الخاص أمر ملحّ وضروريّ إذا كانت هناك أطراف صادقة النيّة تريد منع حصول مجزرة بحقّ اللبنانيين خلال العام الدراسيّ الجاري.
أما كيف يمكن أن يكون هذا الإصلاح، فأهل مكّة أدرى بشعابها بالتأكيد، وإذا صدقت النيات، فالحلول متوافرة، ولكننا نقدّم في ما يأتي بعض الاقتراحات التي نضعها بين أيدي لجان الأهل ونقابة المعلّمين، لتضغط من أجل تحقيقها:
– فتح تحقيق واسع في مصلحة التعليم الخاص، يعود سنوات إلى الوراء، وتجري على أساسه محاسبة المرتكبين والمرتشين، إن وجدوا.
– وضع برامج إلكترونيّة متطوّرة تُلزَم المدارس كلّها باستخدامها عند إعداد الموازنة، تسمح هذه البرامج بتسهيل مراقبة الموازنة واكتشاف أي خلل في أيٍّ من بنودها. ولا بدّ أن تتضمّن هذه البرامج طريقة لاحتساب النسب المتوازنة المسموح بها بين العناصر الثلاثة: أعداد التلامذة، الأقساط والمدفوعات المدرسيّة.
– تعيين هيئات رقابيّة من التفتيش والقضاء تراجع سنوياً عيّنات عشوائيّة من الموازنات على سبيل مراقبة عمل مصلحة التعليم الخاص، وذلك لأنّ المهمات الموكلة إليهم تطاول معظم اللبنانيين، وأي خلل في تأدية هذه المهمات يصيب عدّة فرقاء بأضرار كبيرة.
– إلحاق عدد من المحاسبين والمدققين الماليين بمصلحة التعليم الخاص، نظراً إلى أنّ جزءاً أساسياً من عمل هؤلاء يقوم على التدقيق المالي والمحاسبة.
– فتح ملفّات الموازنات، خمس سنوات إلى الوراء على الأقلّ، وردّ كلّ موازنة مستنداتها غير مكتملة، أو تتضمن أي خلل قانوني، وإعادة المال الفائض إلى الأهل عملاً بالمادة 17 من القانون 515.
إنّ كلّ الإجراءات التي ذكرناها سهلة التحقيق، ويمكن تطبيقها قبل موعد إقرار الموازنات في كانون الثاني المقبل، وقبل فرض أي زيادات يتوعدنا بها أصحاب المدارس على خلفيّة إقرار السلسلة، فتأتي الزيادات، إن وجدت، بالقدر المناسب والمكان المناسب، ولا تتحول إلى إحدى طرق تراكم الثروة لدى أشخاص ومؤسسات وطوائف تدير مؤسسات هي من حيث المبدأ لا تبغي الربح وغير خاضعة
للضرائب!

*عضو في لجنة أهل، عضو في هيئة تنسيق لجان الأهل وأولياء الأمور

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: