Advertisements
أخبار جديدة

حرب الجرود 1 و2: بعض ما لم يُقل عنها

الجيش ارسل تطمينات، وجعل القرار السياسي يلحق بالقرار العسكري (أ ف ب)

رغم ان الحملة العسكرية للجيش على تنظيم «داعش» في جرود رأس بعلبك ــ القاع توشك على نهايتها، بعد اجتيار طريق المئة كيلومتر دونما تقليل خطورة الجيب المتبقي، بيد ان ما سبقها لم يكن اقل اهمية من الانتصار المتوخى

نقولا ناصيف

حتى عشية اعلان الجيش حرب الجرود ــ 2 ضد تنظيم «داعش» في جرود رأس بعلبك ــ القاع، لم يكن في الامكان تجاهل وطأة الاشارات التي تلقتها قيادته حيال معركة كان قد أعلن عن التحضير لها قبل اكثر من اسبوع على صفارتها، وشاع الحديث عن احتمالها في الايام القليلة التي تلت اندلاع حرب الجرود ــ 1 في عرسال في 21 تموز.

لعل ابرز تلك الاشارات الآتي:
1 ــ لو لم تقع حرب جرود عرسال وتخلص الى ما افضت اليه بطرد مسلحي «جبهة النصرة»، لما بدأت حرب جرود رأس بعلبك ــ القاع. فرض حزب الله الحرب الاولى، توقيتها، على الافرقاء اللبنانيين جميعاً وخصوصاً السلطة الاجرائية وهو عضو فيها. ذهب اليها بمفرده قبل ان يلوح الامين العام السيد حسن نصرالله بأنه سيستكمل حرب جرود رأس بعلبك ــ القاع اذا لم يسارع الجيش الى قيادتها. هو بذلك وضع السلطة السياسية امام احد خيارين لا مفر من احدهما، رمى في الوقت نفسه الى فرض التوقيت المتزامن في ما جرى في عرسال، ثم في ما جرى في رأس بعلبك ــ القاع. فإذا الجيشان اللبناني والسوري يخوضان معركة واحدة ضد عدو واحد من مقلبين دونما تنسيق مباشر.

إلا ان هذا التوقيت أنهى كذلك مفاعيل قرار سياسي لم يكن خافياً على قيادة الجيش، كما على حزب الله، كما على الافرقاء اللبنانيين الآخرين، كان قد قضى بمنع تنظيف الجرود من تنظيمات متطرفة. ميّز تيار المستقبل «الارهابي» فيها كتنظيم «داعش» عن «غير الارهابي» كـ«جبهة النصرة»، وظلت هذه الجبهة حتى الامس القريب ــ وقد تكون لا تزال كذلك في حسبان التيار وفريق سياسي عريض ــ توصف بأنها فصيل من مناوئي الرئيس السوري ونظامه. وهي تبعاً لذلك تدخل في عداد المعارضة السورية المسلحة التي يقتضي تشجيعها ودعمها، ما حتّم بقاءها في الجرود وتوفير صلة وصل دائمة بينها ومخيمات عرسال عبر طريق آمن من وادي حميد اليها. استمر الامر كذلك في السنوات الثلاث المنصرمة الى ان اقفله قائد الجيش العماد جوزف عون نهائياً اسابيع قبل حرب جرود عرسال.
اذذاك بات الجيش، باندلاع حرب الجرود ــ 1، امام قرار عسكري باستكمالها، والسلطة السياسية امام قرار سياسي باللحاق بالقرار العسكري. كي تكون خلاصة ذلك ان ما لم يفعله الجيش بعد 2 آب 2014 ها هو ينجزه اليوم.
2 ــ لم تكن القنوات الديبلوماسية ذات الصلة المؤثرة بالجيش كالاميركيين والبريطانيين ــ ذات الاهتمام المباشر بمدّه بالمساعدات العسكرية ــ اقل اهتماماً بمراقبة هذا المسار وتتبعه. ابرزت تخوفها من نشوء تنسيق عسكري بين الجيش اللبناني وكل من حزب الله والجيش السوري في معركة جرود عرسال التي فتحت الباب على معركة جرود رأس بعلبك ــ القاع.
كلتا السفارتين اثارتا علامة استفهام عن توقيت المعركة الاولى، ووجدتاها من صنع حزب الله وسوريا، ما جعل توقيت المعركة الثانية متأثراً بهذين العاملين، كي تقولا ان حزب الله وسوريا استدرجا الحكومة اللبنانية والجيش الى المعركة الثانية. حملت القنوات الديبلوماسية هذه رسائل شتى الى رئيس الحكومة سعد الحريري وقيادة الجيش والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم المفاوض اللبناني الرسمي في حرب جرود عرسال.
بعض ما في هذه الرسائل ثلاثٌ:
ــ رفض مطلق لأي تنسيق بين الجيش اللبناني وكل من حزب الله والجيش السوري في معارك الجرود.
ــ اعتقادهما بأن الجيش اللبناني ربما يحتاج الى مزيد من الوقت لاستكمال عتاده وقدراته واسلحته لشن الحرب وكسبها في اسرع وقت، رغم تأكيد السفارتين ان تصفية تنظيم «داعش» هدف اميركي ــ بريطاني حيوي ضروري ولا رجوع عنه.
ــ توفير اوسع اجماع وطني على الجيش ومهمته في ضرب التنظيمات الارهابية من خلال خطة اعلامية تحضّر لها.
3 ــ منذ معركة الجرود 1، قدّم الجيش ما يكفي من التطمينات لمراجعيه الديبلوماسيين المعنيين وسواهم، عن موقفه حيال ما كان يجري في السلسلة الشرقية. لم يتوقف يومذاك، ولا في المعركة التالية «فجر الجرود»، عن ترداده يومياً تقريباً ان لا تنسيق بينه والجيش السوري وحزب الله، ولا غرفة عمليات مشتركة، ولا تواصل معهما. قال ايضاً انه غير معني بما يدور في الحرب السورية، ولا شأن له في الصراع الناشب بين النظام ومعارضيه، بيد انه معني بالتأكيد بمنع وصول التنظيمات الارهابية الى الداخل اللبنانية وهي المهمة الاساسية التي ناطها بنفسه مذ اقفل الطريق المفتوحة ما بين الجرود ومخيمات النازحين في عرسال. شدد الى ذلك على تمسكه بالتعاون مع الغرب في مدّه بالسلاح والامكانات العسكرية المتطورة ما دام يخوض وإياه معركة مشتركة في مواجهة الارهاب. في ذلك طمأنة رئيسية الى ان سلاح الغرب هو بين ايدي الجيش وهو مَن يستخدمه.
لكن الجانب غير المعلن في موقف الجيش ــ وهو ليس سرّياً بالضرورة ولم يكن كذلك ولا مخفياً ــ ان العمليات العسكرية على الارض هي التي تحدد مسار الحرب ونتائجها، وهي التي تفرض وقائعها وتطورها والخيارات التي تحتمها من اجل المحافظة على قوى الجيش وامنها وسلاحها وعتادها.
الواضح ان اطلاق قائد الجيش الحملة العسكرية فجر 19 آب كان ثمرة توقيت عسكري بحت لكل ما يقتضي ان ينتظر حرب الجرود ــ 2 في ضوء المعطيات تلك كلها.

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: