Advertisements
أخبار جديدة

بين ريتا وعيوني .. حقيقة تضليل

بقلم محمد حسين لمع

ما إن نقر مارسيل خليفة على العود بريشته، حتى أخرج الجمهور تأوّهاتٍ ملأت فضاء بلدة الشرقية الجنوبية، و صاح بصوتٍ واحد: ريتا. 
كنت بينهم في الحفلة التي أقامها في نادي “الكوتاج” و كان الاحتلال جاثمًا على صدر الجنوب. و رمزية أن يغني مارسيل على مرمى حجرٍ من مواقع العدو في النبطية، كان عملًا مقاوِمًا بامتياز، اعتقدناه كفتح القدس! 

و لنعد إلى ريتا و أغنيتها. كنت كغيري من الشباب نربط ريتا بالقضية الفلسطينية، و كما يقول مطلع القصيدة لمحمود درويش: بين ريتا و عيوني بندقية، و الذي يعرف ريتا ينحني و يصلي لالهٍ في العيون العسلية. أنا نفسي كنت أرسم صورًا في مخيلتي لريتا بالبذلة المرقّطة و الكوفية، و أراها ساعةً مضرّجةً بدمها عند أعتاب بيت المقدس، أو مذبوحةً بين الجثث في دير ياسين، أو رافعةً شارة النصر و علم فلسطين إلى جانب دلال المغربي فوق حافلةٍ تجوب شوارع تل أبيب. و كنت أفكّر بالعامين الذَين قضاهما درويش و هو يحبّ مناضلةً بحجمها، و كيف كان يهرّب الرسائل من زنزانته إلى الغابة حيث تسكن هي و رفاق السلاح.  لقد كانت ريتا الرمز و القضية، لقد كانت الثورة و البندقية، فضلًا عن كونها صاحبة العيون العسلية. 

كبرتُ و كبرَت ريتا معي و كبرت القضية و البندقية و العيون العسلية، حتى اكتشفت أن ريتا هذه ما هي الا مجرمة صهيونية تطوعت بالجيش الصهيوني و رفضت كل توسلات حبيبها بعدم الذهاب. لقد كان اسمها الحقيقي تمارا بن عامي، و هي من أب بولنديّ و أمّ روسية، يعني لا تمتّ الى ارض فلسطين بصلَة، بل كانت صهيونيةً غازيةً مجرمة، التحقت ايضًا بالجيش لتكون سفاحةً في حرب ال 67.

هكذا كان، رمز قضيتنا، و نضالنا الطويل ضد الصهاينة، كانت صهيونية مجرمة. و قد أقحمها درويش في ذاكرتنا و وجداننا حتى صارت معبودة الجماهير التي تحمل اسمها عشرات الفتيات اللواتي ولدتهن امهاتهن بعد صدور القصيدة، تمامًا كاسم بيسان الذي تحمله كثيرٌ من بناتنا. 

هكذا يتم تزوير تاريخنا و كيّ وعينا. خدَعَنا درويش ببطلة وهمية و أدخلها مارسيل إلى قلوبنا قبل أسماعنا.

هكذا يحصل عندما ننقاد خلف العاطفة، دون تحقيق، و هذا يحصل كل يوم، في  الخطاب السياسي و الديني و الثقافي و الاجتماعي و الفلسفي. نحن أمة الكثير من العاطفة و القليل من العقل. 
جميلٌ اسم ريتا، لكنه لم يعد عرسًا في دمي، و لا عيدًا في فمي. سأظلّ أغني لريتا، لكن لريتا ثانية غير تمارا المجرمة، لريتا تشبه وجه سهى بشارة و أم ياسر الموسوي، و دلال مغربي و سناء محيدلي و سكنة شمس الدين و لولا عبود.
و المدينة كنّست كل المغنين الكاذبين… و ريتا الصيونية. 

و المدينة، حفرت فوق شوارعها اسم ريتا الفلسطينية! 
*في الصورة، محمود درويش و حبيبته “ريتا” ببذلتها المرقّطة و كوفيتها الفلسطينية!

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: