… وفي اليوم الرابع «انجزت المهمة» ورفعت صور شهداء الجيش «المذبوحين» فوق مراكز قيادة الارهابيين… هكذا «باعجاز» عسكري تم تحرير جرود عرسال بفترة قياسية، «جبهة النصرة» «سحقت» ولم يعد لـ«شذاذ الافاق» بعد تنظيف 90 بالمئة من تلك المساحة الجغرافية الصعبة والمعقدة اي وجود او دور، اما العشرة بالمئة المتبقية فهي ستخضع في الساعات القليلة المقبلة «للضغط» و«التفاوض» على وقع الهزيمة المدوية، والانجاز الذي حققه «رجال المقاومة» في الميدان… وشروط اي «تسوية» مرتقبة لمن تبقى من هؤلاء اصبحت مختلفة للغاية، ومن تبرع للوساطة سمع كلاما حاسما برفض اي مناورة او محاولات لـ«كسب»الوقت، وكان بيان قيادة عمليات المقاومة واضحا عندما اكد ان المعركة مع «جبهة النصرة» اصبحت على مشارف نهايتها، داعية جميع المسلحين في ما تبقى من جرود عرسال الى ان يحقنوا دماءهم بإلقائهم السلاح وتسليم انفسهم مع ضمان سلامتهم… وبانتظار ما ستحمله التطورات المتسارعة، بدأت الاسئلة تتلاحق حول المعركة مع «داعش»، فيما تتكشف فصول جديدة من التكتيكات العسكرية التي استخدمت في هذه المواجهة وادت الى هذا الانتصار الخاطف.
بعد سيطرة المقاومة على وادي الخيل اكبر معاقل «جبهة النصرة» في جرود عرسال صباحا، سجلت حالات فرار وانسحابات واسعة في صفوف الارهابيين بواسطة دراجات نارية باتجاه خطوط التماس مع «داعش» في شرق جرد عرسال، ومجموعات أخرى انسحبت باتجاه وادي حميد والملاهي حيث مخيمات النازحين حيث يتواجد هناك قرابة 4000 الاف نازح، ونحو 200 مسلح من «سرايا الشام» الذين انسحبوا قبل يومين من المواجهة في الجرود، وهذا يفرض بحسب اوساط ميدانية مطلعة، معادلة جديدة في ادارة العمليات على الارض، وهو ما ستتضح معالمه خلال الساعات القليلة المقبلة، ربطا بردود فعل المسلحين على «عرض» المقاومة، ومن المفترض ان تلعب سرايا «اهل الشام» دورا فاعلا في هذا السياق، بعد ان وافقت في وقت سابق على التفاوض، فهل تقنع من تبقى من «النصرة» بالرضوخ للامر الواقع؟

 كيف تم «سحق» «النصرة»؟

في اليوم الرابع وجه مقاتلو حزب الله التحية الى شهداء المؤسسة العسكرية وقاموا بتعليق صور الشهداء الذين ذبحهم ارهابيو النصرة (علي السيد – محمد حمية – علي البزال – عباس مدلج) على مركز قيادة «النصرة» في وادي الخيل كما رفعوا لافتة مشابهة على مدخل غرفة عمليات النصرة في جرود عرسال في مرتفع حقاب الخيل حيث أدار منها ابو مالك التلي عملياته حتى بداية معارك الجرود وتقدم مجاهدي المقاومة اليها حيث انسحب التلي منها، هذا الانسحاب والتقهقر لم يكن وليد «الصدفة» وانما من خلال استخدام المقاومة «تكتيكات» عسكرية، كشفت عنها مصادر مطلعة على مجريات الميدان والتي جزمت بادئ ذي بدء، بأن من يدير غرفة العمليات لدى المقاومة هو مزيج من الجيل الجديد، وجيل «المخضرمين»، حيث ظهرت جليا «بصمات» من خاض التجربة الميدانية ابان الاحتلال الاسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي، فتجربة تسلق الجبال، واقتحام المواقع الاسرائيلية، حضرت بشكل واضح، وكانت لمسات «الجيل القديم» واضحة للعيان.
وتلفت تلك الاوساط الى ان مقاتلي الحزب خاضوا المواجهة بقدر عال من الانضباط الميداني، ولم يتم تعديل الخطط العملانية خلال سير المواجهات، ولم يضطر القادة الميدانيون الى استخدام الخطتين «باء» و«جيم» اللتين وضعتا قبيل انطلاق العملية لمواجهة اي تعثر في «الخطة الف». اما التخبط لدى المسلحين في الساعات الاولى للهجوم، فكان سببه نجاح المقاومة في ضرب مراكز «القيادة والسيطرة»، و«التشويش» على موجات اتصالاتهم اللاسلكية، وبعد ذلك تم قطع  طرق الامداد، وبات المسلحون غير قادرين على تأمين المستلزمات اللوجستية للمواجهة ما افقد «ابو مالك التلي» ومعه القيادات العسكرية القدرة على التواصل مع مواقع مسلحيهم المنتشرين على خطوط الجبهة، ففضل الكثير منهم اخلاء مواقعه ما سبب حالة من الفوضى و«الشك» لدى الكثير منهم بجدوى مواصلة القتال… فيما خاض اخرون قتالا شرسا ويائسا… وبحسب احصاءات اولية يتجاوز عدد قتلى «النصرة» الـ130 مقاتلا.

 «التكتيكات العسكرية»

وفي هذا السياق استخدم حزب الله ثلاثة تكتيكات عملانية سمحت له بتحقيق هذا الانتصار السريع، ووفقا لتلك الاوساط يحتاج هذا الدمج الى خبرة كبيرة لا تتوافر الا لدى القوات الخاصة في جيوش الدول المتقدمة… التكيتك الاول هو المباغتة قبل التمهيد الناري، وهذا حصل في الساعات الاولى من المعركة حين فوجئت المجموعات الارهابية بمقاتلي حزب الله على «السواتر» والتحصينات الرئيسية لمواقعهم، بعد ان نجحوا في التسلل ليلا والوصول فجرا الى تخوم تلك المواقع، حينها فقد المسلحون المبادرة وسقطت خطوط الدفاع الاولى كحجارة «الدومينو»…
التكتيك الثاني، القيام بعمليات هجومية بالتزامن مع التمهيد الناري، اي التغطية النارية بالتزامن مع تقدم المشاة، وهذا التكتيك يحتاج الى دقة متناهية في تحديد الاحداثيات والتنسيق الميداني العالي المستوى التي تقوم به غرفة العمليات في الربط بين سلاح المدفعية وقادة المجموعات على الارض، «الخطأ» في هذا السياق يكون مميتا وكارثيا… وهنا ايضا فوجئت المجموعات المسلحة، بوصول طلائع القوات المهاجمة على الرغم من استمرار التغطية النارية، ففي الوقت الذي كانت تحتمي فيه من القصف الشديد كانت «القوات الخاصة» قد وصلت الى مسافة قريبة من مواقعها.
اما التكتيك الثالث، فكان عملية «الالهاء والايهام»، وتشرح تلك الاوساط هذا التكتيك بالاشارة الى ان هذا التكتيك العسكري بدأ تنفيذه قبل ساعات قليلة من بدء العملية العسكرية، من خلال حشد قوة «وهمية» كانت مهمتها الهاء المجموعات المسلحة وايهامها بأن الهجوم سيبدأ من «نقطة» معينة تشكل بطبيعتها الجغرافية مكانا طبيعيا ومنطقيا لبدء الهجوم، لكن ما حصل ان هذه الجبهة لم تتحرك وكانت التحضيرات تجري بهدوء في مكان آخر… وتم الاطباق من ثلاثة محاور.

 النجاح الامني

وتلفت تلك الاوساط، الى ان العامل الاكثر تأثيرا في كل ما تقدم من خطط وتكتيكات عسكرية كانت «المعلومة الامنية»، وقد اتضح من خلال النقاط المستهدفة في الساعات الاولى لانطلاق العمليات ان حزب الله يملك «بنكا» دقيقا من الاهداف، حصل عليها بفعل عمليات رصد الكترونية، وتقنيات حديثة، واستخدام فاعل لطائرات من دون طيار، اضافة الى استعلام بشري كان حاسما في رصد حركة المسلحين ومواقع انتشارهم، ومراكز القيادة، ومخازن الاسلحة التي دمر قسم لا يستهان منه جراء استهداف تلك المخازن بصواريخ دقيقة ذات قدرات تدميرية عالية.

 المواجهة مع «داعش»

ووفقا للمعلومات الميدانية، فان التحضيرات العملانية لمعركة تحرير الجرود الواقعة تحت سيطرة «داعش» بدأت، وانتقل العمل الى وضع اللمسات الاخيرة على الخطط العسكرية، المعدة سلفا، مع لحظ تعديلات عليها بالاستفادة من الحسم السريع الذي انجز في المواجهة مع «جبهة النصرة»، طبعا تتكتم الاوساط المعنية عن الموعد المحدد لانطلاق العمليات، لكنها اكدت ان مفاجآت كثيرة تنتظر المجموعات المسلحة في تلك الجرود، وستتحدث المعركة عن نفسها حين تبدأ، لكن الثابتة الوحيدة التي يمكن التأكيد عليها الان، ان السيد نصرالله وعد بتحرير كامل الجرود وهو عندما يعد يفي بوعده… «وغدا لناظره قريب».

 دور الجيش

لكن مسألة تحرير الجرود الواقعة تحت سيطرة تنظيم «داعش» الارهابي لا ترتبط فقط بانتهاء الاستعدادات اللوجستية لمقاتلي حزب الله، بل ترتبط ايضا بمسائل اخرى لها ابعاد غير محلية، فواقع انتشار مواقع الجيش اللبناني على طول الجبهة المقابلة لمواقع التنظيم تجعل دوره في المعارك المقبلة امرا حتميا، لكن تبقى الاعتراضات الاميركية الصريحة على عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في معركة مشتركة مع حزب الله والجيش السوري، وهنا لا بد من التساؤل هل يكتفي الجيش بأداء دور دفاعي «تكتيكي» كما حصل في المواجهة مع «جبهة النصرة»؟ ام تتحرر القيادة السياسية، وخصوصا رئيس الحكومة سعد الحريري الموجود في واشنطن من «الضغوط» الاميركية ويشارك الجيش في خطة هجومية باتت كامل التحضيرات لها منجزة؟

 عون

وفي سياق متصل، اعاد رئيس الجمهورية ميشال عون التأكيد على الغطاء السياسي الكامل الممنوح لعملية تحرير الجرود، وهو ترأس اجتماعاً امنياً في بعبدا، للاطلاع على آخر تطورات المعارك ضدّ الارهاب، حيث شرح له قائد الجيش العماد جوزيف عون على الخرائط طبيعة سير المواجهات، وقد أكدَ رئيس الجمهورية أن النتيجة ستكون ايجابية وستُعيد الامن والاستقرار الى الحدود…

 الحريري – السنيورة

وفي هذه الاثناء يتحضر رئيس الحكومة سعد الحريري للقاء الرئيس الاميركي دونالد ترامب اليوم في واشنطن، حيث يفرض حزب الله نفسه «ضيفا ثقيلا» على المحادثات خاصة بعد حسم  المعركة في عرسال، ويحضر ايضا على جدول اعمال الاجتماع المساعدات للجيش اللبناني، والعقوبات المالية المرتقبة… ومن بيروت يواكب الرئيس فؤاد السنيورة الزيارة الاميركية ببيانات ادانة لحزب الله، «يتبرأ» من خلالها من العمليات العسكرية في الجرود، وهو بحسب اوساط سياسية مطلعة على اجواء «المستقبل» يعيش هاجس الاجماع الوطني غير المسبوق وراء ما تقوم به المقاومة في جرود عرسال، ويخشى من تداعياته على الواقع السياسي الداخلي.