Advertisements
أخبار جديدة

أيها الاغبياء: هذه هي سلسلة الرواتب؟

السلسلة كضرورة اقتصادية ملحّة

رامي أسوم

سامر استاذ ثانوي في مدرسة رسمية، يبلغ راتبه مليوناً و200 ألف ليرة، مضافاً إلى مليون ليرة (راتب زوجته) بالكاد يكفيهما لإعالة ولديهما.
لكن صديقه عماد ورث عقاراتٍ وأراضي في قلب المدينة، بالإضافة إلى حساب توفير بنكي محترم، ويعمل الآن في إدارة أصول شركته المالية.

لنفترض أن 800 مليون دولار “هبطت” من السماء على الدولة اللبنانية، وأرادت توزيعها. فأيّ من هذين الخيارين سيؤدي إلى تنشيط أفعل للاقتصاد: توزيع المبلغ على سامر وأقرانه أم على عماد ورفاقه؟
عندما نستمع إلى بعض الخبراء الاقتصاديين يقولون إن السلسلة سوف تؤدي إلى ازدهار اقتصادي لأن أموالها سوف تدوّر في السوق وتدفع تالياً باتجاه تنشيط مختلف الأعمال الاقتصادية، أول ما يتبادر إلى ذهننا هو السؤال التالي: كيف تؤدي تلك الأموال إلى نموّ، في حين أنها ستُسحب من جيوب لبنانيين لتصبّ في جيوب لبنانيين آخرين؟
إن النقاش حول هذه النقطة بالذات ملأ آلاف الصفحات في مجلات البحوث الاقتصادية العالمية، ولا يزال محتدماً حول السياسات الضرائبية في الولايات المتحدة بين الحزبين الديمقراطي (الذي يؤيد تلك النظرية، ويدعو إلى فرض ضرائب أعلى على الأغنياء) وبين الحزب الجمهوري (الذي يؤيد خفض الضرائب بحجة أن ذلك يزيد من الاستثمارات وبالتالي من عدد الوظائف).
لكن سامر لا يأبه لكل تلك النظريات. فزيادة مليون ليرة إلى دخله الشهري سيمكنّه من تقسيط منزل، وارتياد المطاعم في عطلة نهاية الأسبوع، كما إلى شراء ما اعتبره يوماً ما من منتجات الرفاهية. فقد وجد أستاذ الاقتصاد في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا الهندي ابهيجيت بانيرجي في كتابه “اقتصاديات الفقراء” poor economics ، الذي حلّل أشكال الإنفاق للأسر المتوسطة والأكثر فقراً في الهند، أن الفقراء بدل ادّخار كل دولار زائد على مدخولهم، فإنهم يصرفونه على ما يُعتبر من الكماليات في ثقافتهم (كشراء مأكولات ذات طعم لذيذ، وارتياد صالات السينما).
أما الأسر ذات الدخل المتوسط، فهي تصرف أكثر على التعليم والسكن وأساسيات الحياة، بالإضافة إلى الرفاهية.
لكن زيادة عشرة ملايين ليرة شهرياً على دخل عماد (الثري) لن تؤدي إلى زيادة إنفاقه، بل إلى مجرد ارتفاع آخر على مدّخرات حسابه البنكي بنفس المقدار، وهذا ما بيّنه توماس بيكيتي في كتابه “الرأسمال في القرن الواحد والعشرين” capital in the twenty first century حيث يُظهر بالأرقام الموثقة كيف أن الاغنياء من ذوي الدخل المرتفع (العشر الأعلى دخلاً في أميركا) لا يغيّرون سبل معيشتهم تبعاً لزيادة مداخيلهم، بل يذهب الفائض بمجمله إلى زيادة مدّخراتهم في البنوك، أسهم الشركات، أو سندات الخزينة.

نستتبع ذلك بالسؤال التالي: هل يعني ذلك أن ادّخار الأغنياء سيؤدي إلى زيادة الاستثمارات وخلق وظائف جديدة؟
إن كان الأمر دائماً كذلك، فسيكون من الواضح لنا أن الغني يتعامل مع الفائض من المال بطريقةٍ أجدى من الفقير.
ببساطة مطلقة، إن الجواب على تلك المعضلة يعتمد على تركيبة الاقتصاد في بلدٍ ما. فعندما تكون البنوك مساهمةً بشكل فعلي بالاقتصاد عن طريق الاستثمار في أسهم الشركات الناشئة أو الحالية. وعندما تكون تلك الشركات بمعظمها شركات مساهمة حقيقية، أي إنه باستطاعة أي فرد من أفراد المجتمع شراء أسهمها، من الممكن أن يكون الفائض المالي الذي لا يجري إنفاقه على الاستهلاك، منتجاً إلى حدٍّ معيّن.
بل من الممكن الجزم أن النقاش حول موضوع توزيع الثروة عن طريق السياسات الضربية المختلفة في أميركا، لن ينتهي قريباً، بالرغم من أن معظم الدراسات العلمية حول هذا الموضوع حسمت الأمر لصالح النظرية التي تقول إن تحسين فرص المساواة تؤدي إلى إنتاجية أكبر للاقتصاد ككل.
لكن من المؤكد أن هذا النقاش سينتهي بالضربة القاضية في بلد مثل لبنان، حيث فائض المال عند الأغنياء يذهب مباشرةً نحو البنوك إما لشراء سندات خزينة أو لشراء العقارات (بما أن أكثر من 85% الشركات اللبنانية هي عائلية)، و في كلتا الحالتين لا يقوم بأي عملٍ إنتاجي مثمر.
فالضريبة على الأغنياء سوف تؤدي، في لبنان بالذات، إلى توزيع أنجع للثروة، بحيث يتحول المال المخزّن إلى سيولةٍ مالية في السوق مباشرةً، بما يعني ذلك من تنشيط للاقتصاد وزيادة نفقات الأسر. وإن كانت تلك الزيادة ستتركز على قطاع الخدمات من المقاهي والمطاعم ووسائل الترفيه، فإن ذلك يعود إلى تركيبة الاقتصاد اللبناني المعتمد على الخدمات بالدرجة الأولى. وهذا يعني أيضاً انتعاش سوق الخدمات السياحية مما سيشكل وسادة حماية لتلك السوق في فترات الركود (كاعتكاف الخليجيين عن زيارة لبنان لأسبابٍ سياسية).
إن استفادة أكثر من 250 ألف عائلة أو أكثر من مليون مواطن لبناني من السلسلة، سيكون بالمعنى الاقتصادي أكبر بكثير من انخفاض أرباح الرأسماليين.
فالميل الحدّي للاستهلاك marginal propensity to consume، وهو مؤشر لقياس نسبة إنفاق كل دولار إضافي على الدخل، يكون في أقصى درجاته عندما تكون نسبة المساواة في التدخل متدنية. بمعنىً آخر، فإن إمكانية صرف ذاك الدولار تزداد باضطراد مع ارتفاع مؤشر جيني لقياس عدالة توزيع الدخل.
وعندما نعلم أن لبنان يتربع على قائمة الدول الأعلى في العالم بالنسبة إلى مؤشر جيني (يقارب الـ 85%)، يكون التأثير لكل دولار إضافي مضاعفاً على الاقتصاد (multiplier effect)، أي أن كل دولار يُصرف يؤدي إلى زيادةٍ دولارين أو أكثر في الناتج المحلي الإجمالي.
خلاصة القول، إن إقرار السلسلة ليس فقط قضية حق، تجري مقاربتها من منظور أخلاقي، لكنه يشكّل أيضاً فرصةً عملية وعلمية لإخراج البلد من وضع الركود الطويل.

الاخبار
Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: