Advertisements
أخبار جديدة

النقل العام في لبنان: سيادة الفوضى

أكثر من 87% من السيارات المسجلة يفوق عمرها السبع سنوات ما يشكل ضرراً للبيئة والصحة (هيثم الموسوي)

ليس هناك سياسة نقل في لبنان. الفوضى تحكم هذا القطاع وترتّب أعباء كبيرة على أكلاف المعيشة، إذ أنها تقدّم وسائل النقل الفردية على وسائل النقل الأخرى، ثم تكرّس الاحتكار بيد الشركات الكبيرة وقوى الأمر الواقع لتضع وسائل النقل العامة في الأسفل. الاستثمارات التي استقطبتها هذه السياسة لا تختلف كثيراً في نتائجها مع انتفاخ السوق بالسيارات المستوردة وبمحطات الوقود لخدمتها… وبالكلفة الصحية والبيئية الناتجة عن استهلاك كميات هائلة من الوقود

غادة حيدر

يعتبر قطاع النقل في لبنان المستهلك الأكبر للوقود الأحفوري، وهو المسبب الأول لتلوث الهواء، وينتج عنه الكثير من الأمراض نتيجة الانبعاثات السامّة. تؤكد الدراسات أن مواصفات انبعاثات الوقود للمحركات في لبنان لا تتطابق مع معايير السلامة الدولية للبيئة، في حين أن خصخصة المعاينة الميكانيكية لم تنه هذه المعضلة، وقانون السير لا يعطي الشرطة صلاحية المراقبة المباشرة للآليات المخالفة والعمل على توقيفها ما يُرتّب أعباء صحية باهظة.

هذا الواقع يأتي في ظل غياب أي سياسة نقل في لبنان تحكم هذا القطاع وفق معايير علمية تأخذ بعين الاعتبار الأكلاف المترتبة عن “الفوضى” السائدة، سواء أكلاف صحية أو اقتصادية – معيشية.

سلسلة الأعباء

ترتكز سياسة النقل في لبنان على تشجيع ودعم وسائل النقل الفردية (السيارات الخاصة)، وهذا لا يرتب كلفة إضافية على استهلاك البنى التحتية (الطرقات تحديداً) وصيانتها فحسب، بل يرفع كلفة المعيشة من خلال الوزن الكبير لبند النقل في ميزانيات الأسر ويضغط على الأجور والمداخيل المحدودة، كما يضغط على الميزان التجاري بسبب ضخامة استيراد البنزين والحاجة الدائمة إلى تمويل فاتورة الاستيراد بالعملة الأجنبية.
لا يوجد إحصاء دقيق لعدد السيارات الخاصة العاملة فعلياً على الطرقات في لبنان، إلا أن الإحصاءات المتداولة عن عدد السيارات المسجّلة (هناك نسبة مهمة باتت خارج الخدمة ولكنها لم تُشطب) تفيد أنه يبلغ نحو 1.368.000 آلية. وبحسب جمعية مستوردي السيارات، بلغت مبيعات السيارات الجديدة في لبنان خلال عام 2016 نحو 36326 سيارة، مقارنة مع نحو 39361 سيارة جديدة مباعة في عام 2015.
ما زال القانون اللبناني يسمح باستيراد السيارات التي تعود تواريخ صناعتها إلى ثمان سنوات سابقة، وتفيد الإحصاءات أن أكثر من 87% من السيارات المسجلة يفوق عمرها السبع سنوات، وهذا يشكل مصدر ضرر للبيئة والصحة في لبنان، نظراً إلى تقادم الأسطول وسوء الصيانة وانعدام الرقابة.
يحتاج هذا الأسطول الكبير من السيارات الخاصة القديمة والجديدة إلى خدمات يجرى توجيه الاستثمار إليها بكثرة، وهو ما ينعكس على نوعية فرص العمل المتوافرة، على قلّتها، ولا سيما لجهة العدد الهائل من محطات الوقود وكاراجات التصليح وتجارة قطع غيار السيارات والدواليب، ففي مقارنة بين لبنان وبلدان أخرى، يوجد في لبنان على سبيل المثال نحو 2500 محطة، أي بمعدّل محطّة واحدة لكل 547 سيارة كحد أقصى، علماً بأن مساحة لبنان صغيرة (10452 كلم2) ولا تحتاج إلى كل هذه المحطات.

أمّا في قبرص (مساحتها 9250 كلم2) فلا يوجد فيها سوى 265 محطة تخدم نحو 443 ألفاً و517 سيارة، بحسب إحصاءات عام 2008، أي هناك محطّة واحدة لكل 1674 سيارة. يرتفع هذا المعدّل إلى محطة واحدة لكل 2239 سيارة في الأردن، ومحطة واحدة لكل 2476 سيارة في فرنسا. ومحطة واحدة لكل 3984 سيارة في إيطاليا.

سوق مقطعة الأوصال

ترسّخت مع الوقت مصالح كثيرة وقوية منعت أي تعديل في هذه السياسة. فسوق السيارات الخاصة القديمة والجديدة والخدمات المتصلة بها تقدّر بمئات ملايين الدولارات سنوياً، وكذلك سوق استيراد البنزين وتوزيعه، وهناك مصالح فرضت بقاء الأوصال اللبنانية مقطّعة، سواء على صعيد شبكة الطرقات المحلية وأهليتها أو خطوط النقل المشترك ومحطاتها وطاقتها الاستيعابية. وكسائر الأسواق ذات الربحية العالية والطابع الاحتكاري، ساهمت الشهية المفتوحة بربط أي تفكير بالنقل المشترك بالخصخصة، وهو ما أنتج أنشطة متدنية الكفاءة تحتكرها شركات معروفة وقوى الأمر الواقع.
لقد ساهمت هذه السياسة في السابق بزيادة التركّز السكاني على الساحل، ولا سيما في بيروت ومحيطها، وهو ما أفاد كثيراً المضاربين على أسعار العقارات.
يعتقد العديد من الخبراء أن اعتماد سياسة نقل عام مشترك لائق ومنتظم ويلبي الطلب الفعلي ويقوم على وصل المناطق بوسائل سريعة وفعالة، يمكن أن ينعكس إيجاباً على الدخل الأسري، ليس نتيجة تدّني كلفة استخدام النقل العام بالمقارنة مع السيارة الخاصة فحسب، بل أيضاً نتيجة تخفيف الطلب على السكن في المناطق التي تتركز فيها المضاربات العقارية وإعادة توزيع الكثافة السكانية باتجاه بقاء العدد الأكبر من سكان القرى والمدن الداخلية في أماكن سكنهم والحد من نزوحهم إلى بيروت وضواحيها وساحل الشوف وساحل المتن.

خيارات محدودة

يقول النقابي علي محي الدين: “إن الكارثة تتجسد في كون هذا قطاع النقل لم ينظم يوماً، وما بُني على فوضى يكون فوضوياً، اليوم تفاقمت الأمور: كثرة السكان، كثرة السيارات، فوضى في خطوط النقل، ازدحام خانق للسير، تعطيل الحركة اليومية…”. يرى محي الدين أن الحل يكمن في تقسيم لبنان إلى أربع مناطق وخطوط: بيروت وجبل لبنان، الجنوب، البقاع، والشمال. ويوضح على سبيل المثال “إن منطقة بيروت الكبرى يمكن تقسيمها إلى 3 محطات أساسية: محطة جهة الأوزاعي، الحازمية، ونهر الموت. على أن تشمل المحطة مساحة مخصصة لآليات النقل العام وأخرى كموقف للسيارات القادمة من المناطق. وهذا ينطبق على كل المدن الرئيسية ومحيطها. هذه الخطة تحلّ مشكلة النقل وتوفّر الوقت كما أنها تخفّف التلوّث البيئي”.
طبعاً، تمثّل هذه الأفكار عناوين عامّة، إذ تقتضي سياسة النقل المناسبة للبنان، والتي تنطلق من المصلحة العامة، التخفيف من استيراد السيارات وفرض الرقابة المشددة على صيانة السيارات العاملة، وتشجيع استخدام النقل المشترك عبر إتاحة خيارات أخرى متعدّدة من القطار إلى التراموي والباص وحتى وسائل النقل المشترك البحرية…، كذلك تنظيم الخطوط داخل المدن وبينها كما بين المدن والبلدات، وفقاً لجدول مواعيد محترم ويغطي الطلب في أوقات الذروة.
في الواقع، ليس في لبنان حالياً خيارات أخرى غير السيارة الخاصة سوى سيارات الأجرة (التاكسي والسرفيس) والفانات والباصات، وهي تتسم بفوضى عارمة وتفتقد إلى معايير السلامة وتعدّ كلفتها مرتفعة قياساً إلى الحد الأدنى للأجور.
يشير محي الدين إلى أن عدد اللوحات العمومية ما قبل قانون عام 1994 لم يكن يتجاوز 10694 لوحة، بالإضافة إلى 617 أوتوبيس و3400 كميون، أما الآن أصبح العدد نحو 33000 سيارة عمومية، 4000 فان، 2236 أوتوبيس و15000 كميون… وهذه الأعداد سترتفع في حال احتساب عدد السيارات العاملة على الطرقات من دون لوحات عمومية أو عبر لوحات مزوّرة.

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: