Advertisements
أخبار جديدة

منارة الحدباء: أجر “الطمبورجي” عند صاحب الدار!!

عندما تهدّمت أجزاء من منارة الجامع النوري الكبير بمدينة الموصل (منارة الحدباء) جمعت الحكومة العراقية سنة 1940 أهم وأمهر بنّائي المدينة وعرضت عليهم ضرورة ترميمها لمن يستطيع هذا لقاء أي مبلغ يطلبه مهما كَبُر لكن الجميع اعتذر لصعوبة وخطورة العمل على منارة “مئذنة” يبلغ ارتفاعها قرابة الخمسين متراً لكنهم أجمعوا على أن الوحيد الذي ربما بامكانه أن يقوم بهذا العمل هو بنّاء موصلي شهير اسمه “عبودي الطمبورجي ” لم يكن حاضرا الاجتماع , استدعت الحكومة ” الطمبورجي” وعرضت عليه العمل واذا ماكان بامكانه أن يقوم بتصليح وبناء الأجزاء المهدمة والتي تهدد المنارة بالانهيار ، خاصةً أنها بمكان عال وخطر وبحاجة لمجازفة ودقة كبيرة في العمل ..

وافق “عبودي” واستمهل بضعة أيام قضاها ليل نهار يعاين مكان العمل ويقوم بالحسابات والدراسات والتجارب وتوصّل الى أنْ لايمكن إصلاح المنارة الاّ من خارجها لأن الفجوة من الخارج أكبر من الداخل وهذا بالطبع ماجعل بقيّة البنّائين يعتذرون عن العمل فهم يعرفون هذه الحقيقه, أي لابد من أن يجد طريقة يصل مع معداته الى جسم المنارة من خارجها على ارتفاع شاهق وذلك بأن يتعلق بحبال تتدلى من رأس المئذنة “المنارة” الى مكان العمل مع ماتنطوي هذه الطريقة على خطورة بسبب الرياح الغربية القوية المعهودة في مدينة الموصل وعدم امكانية اصطحاب معدات ثقيلة قد تنقطع بها وبأخينا “عبودي”ويسقط من شاهق ..

جهّز “الطمبورجي” العدة و العدد وأنزله مساعدوه -بعد أن صعدوا بواسطة السلم الداخلي- من أعلى المنارة بصندوق خشب مربوط بحبال قوية وبدأ العمل بسرعة من يسابق “حتفه”..

أكمل “عبودي” بناء الجزء المهدوم باستخدام الجص والطوب.. قام بجبل الطين بيديه وركّب الحجارة في مكانها بعد أن نحتها بالمطرقة والإزميل بدقة مذهلة وبأدوات بدائيّة رغم تأرجحه بين السماء والأرض.

أعاد النقشات والزخارف المتهتّكه كما كانت تماماً – لابل وربما أفضل – بعد أن “جبّر” كسورها وقام بعملية “رتوش” فنيّة أظهرت لديه موهبة ومهارة مميزة بالرسم والخط فضلاً عن البناء ..

كانت الناس تتفرج بخوف وترقب وبأنفاس مقطوعة خشية انقطاع الحبال بالصندوق الخشبي الذي على متنه “الفدائي” عبود الطمبورجي.

إحدى المخاطر التي تعرّض لها صاحبنا الشجاع عثوره داخل الفجوة على وكر ثعبان ضخم قام بقتله قبل أن يلدغه ورماه من الأعلى الى الأرض وسط ذهول المتفرجين

ولما انتهت مهمته ونزل سالماً على صوت تصفيق المئات من الحاضرين ووسط عاصفة من زغاريد النسوة ، تقدم متصرف الموصل “المحافظ “.. عانقه وهنأه بنجاح العمل وبسلامته وشكره باسمه واسم الحكومة العراقية واسم أهل الموصل ومسلميها على وجه الخصوص ثم سأله عن أجرته قائلاً:

ضع المبلغ الذي تريد مهما بلغ وسأصرفه لك في الحال فأنت تستحق , ولا مال يفيك عملك وابداعك ومجازفتك ..كم تريد ياأخي عبودي ؟

فرد الطمبورجي بسؤال آخر:

هو هذا البيت بيت من ياسعادة المتصرف ؟

المتصرف : بيت الله

الطمبورجي :

زين ياخوي .. أنا وصاحب البيت نتفاهم وعند صاحب البيت أجرتي أحسن وأكثر

عبودي الطمبورجي من مسيحيي الموصل وكان معروفا عنه بأنه يرفض تقاضي أجرة عند بناء كنيسة أو مسجد .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: