Advertisements
أخبار جديدة

سياسة في ذكرى 25 أيار: كيف تحوّل “حزب الله” الى قوة اقليمية وازنة؟

في ذكرى 25 أيار: كيف تحوّل “حزب الله” الى قوة اقليمية وازنة؟

ابرهيم بيرم

22 أيار 2017 | 15:09

المصدر: “النهار”

بُعيد التحرير المدوّي للجنوب قبل 17 عاما، كان السؤال المحوري الذي وجِّه بكثافة غير عادية الى “حزب الله” المجلل يومذاك بأبهى مظاهر الانتصار: ماذا انتم فاعلون بعد اليوم؟ واي دور تعدّون انفسكم له بعد المهمة التي ادّيتموها؟ وباختصار، كيف ستصرفون رصيد النصر المحقق للتو؟

السؤال بتشعباته تلقّاه الحزب من الخصوم والاصدقاء والحلفاء على حد سواء، كل من زاويته ومن حساباته الآنية والمستقبلية. وبطبيعة الحال تعددت يومذاك الاجابات وتناسلت التكهنات، لكن ما من احد راوده في تلك الساعة تصوّر ان الحزب سيبلغ بعد عقد ونصف عقد من السنين هذا المستوى من التمدد والحضور ويؤدي هذا الدور الاقليمي الفاعل العابر للحدود والمؤثر في كل معادلات الصراع السياسية والاستراتيجية في المنطقة.

في ذلك الحين كانت طموحات الحزب خفرة واجاباته متواضعة ومطمئنة ومبهمة في آن: لن يثقل سلاحنا اللعبة الداخلية، فنحن زاهدون خصوصا بعدما بادر سيد الحزب السيد حسن نصرالله ومن بنت جبيل الى اهداء النصر الى جميع اللبنانيين من دون استثناء. ولاحقا اكمل الحزب عملية الاطمئنان بالقول نحن بإمرة الحكومة التي هي من يحدد وجهتنا مستقبلا.

وفي هذا الخضم من الكلام المتشعب ثمة معادلة كانت ترسخ ذاتها تدريجا: سلاح المقاومة باقٍ في ايدي حامليه، والذريعة المعلنة ان العدو الاسرائيلي لم يستكمل بعد عملية خروجه نهائيا من ارضنا، اذ ما زال يحتل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وجزءا من بلدة الغجر، الى مساحات اخرى متنازع عليها، فضلا عن “الخط الازرق” نفسه الذي لا يعني اطلاقا حدودا نهائية بين لبنان وفلسطين المحتلة.

اخذ الحزب يومها نوعا من “استراحة المحارب” واكتفى بتلقّي فيض التهانىء واستقبال الوفود، خصوصا في المناطق المحررة حيث اشتهرت آنذاك “بوابة فاطمة” ترشق عبرها الحجارة نحو المواقع الاسرائيلية. لم يُعلن الحزب اي موقف صريح يعيد الاعتبار الى الشعار الذي كان رفعه ثم طواه وهو شعار “زحفاً زحفاً حتى القدس” رغم انه صار عمليا تحت نوافذ المستوطنين الاسرائيليين، يسمع حركتهم ويسمعون اصوات مقاتليه.

انصرف الحزب الى ترتيب اولوياته بعدما اعلن انه ليس في وارد نزع سلاحه وتسريح جهازه المقاوم. لم يكن ثمة ما يضطره الى تحديد شعار مرحلة ما بعد التحرير لاسيما بعدما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الاقصى)، اذ جسدت هذه الانتفاضة التي حصلت بعد شهرين من التحرير فرصة ذهبية له ليقول ان الهزيمة التي انزلها بالاحتلال ودحره من الجنوب بدأت تؤتي اكلها وثمارها ومفاعيلها من خلال الحدث المستجد. وباختصار، وجد الحزب فرصة ليماهي بين الحدثين ويعتبرهما سياقا واحدا وان كلاهما يستقي من الآخر ليفتح ابواب عصر جديد في الصراع العربي – الاسرائيلي، خصوصا ان راية الحزب الصفراء وجدت من يرفعها على اعلى مئذنة المسجد الاقصى.

الانتفاضة الواعدة اراد الحزب الدخول عبرها الى العمق الاسرائيلي مباشرة، فبادر الى تنظيم هجمات مدروسة ومكامن وعمليات قصف للمواقع والدوريات الاسرائيلية في مزارع شبعا حصرا، مستغلا انها مناطق متنازع عليها في الرؤية الاممية، والذروة كانت عملية خطف جنديين اسرائيليين في محاولة واضحة لتكريس عملية ربط النزاع مع الكيان العبري الذي شاء خروجه من لبنان طيا لصفحة تورطه فيه وانسحابا لا رجعة عنه.

في موازاة ذلك، كان الحزب مقيما على اطمئنان داخلي، فهو غير مشارك في الحكومة، اي انه بمنأى عن صراعات المغانم وحسد الحاسدين، متكئا على ضمانة بقدرة سوريا على ضبط توازنات الداخل وتناقضاته وهي الماسكة بزمام اللعبة الداخلية بيد من حديد. كل ذلك تداعى سريعا، فالانتفاضة الفلسطينية آلت الى استكانة بعد تلقيها ضربات كبرى، والرئيس رفيق الحريري سقط شهيدا ليسقط معه كل المعادلات الحاضنة والمطمئنة للحزب. وما لبثت سوريا تحت هول الحدث ان سحبت جيشها من لبنان، وتقدم خصوم الحزب المعلنين والكامنين ليمسكوا بالاكثرية النيابية ومن ثم بالحكومة ويوغلوا في عملية نفي واقصاء لكل من هو متهم بالعلاقة مع دمشق. وبمعنى آخر وجد الحزب نفسه غارقا حتى اذنيه في الداخل وصراعاته الضارية. واستطرادا وجد الحزب نفسه وسط طوق حصار يعمل على خنقه، فكان متنفسه الاول تفاهمه التاريخي مع “التيار الوطني الحر”، ثم حرب تموز عام 2006. ورغم انه شعر بان هذه الحرب كانت عموما لمصلحته فان خصومه وجدوها فرصة لكي يستكملوا حلقات الحصار عليه، خصوصا بعدما اضحت قواته بعيدة عن الحدود وصار مراقبا دوليا بعد صدور القرار الاممي الرقم 1701. وقبلها كان الحزب قد حوصر بتهمة الضلوع في اغتيال الرئيس الحريري.

ولاحقا اطلق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مقولته الشهيرة التي تكثف رؤية خصوم الحزب لمصيره وهي: “لا تخافوا بعد اليوم سلاح الحزب، فهو سيعلوه الصدأ في مخازنه تلقائيا لان الحزب لم يعد قادرا على تجريده واستخدامه في اي مكان”. اقتضى الامر عامين من الجهد الاستثنائي ليمتص الحزب الهجمة الشرسة عليه وليستعيد زمام المبادرة وينجح في تحقيق ما سماه “تفكيك جبهة الاعداء”. كان ذلك بعد احداث ايار عام 2008 التي فرضت وقائع ومعطيات مؤاتية له جعلته لاحقا يسقط حكومة الرئيس سعد الحريري الاولى ويقصي 14 اذار كليا عن الحكومة التالية، ثم يشرع في هجوم مضاد لاستعادة ما فقده وكانت الذروة في انتخاب مرشحه الحصري العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية.

لم يعد جديدا القول ان اشتعال فتيل الازمة في سوريا شكّل محطة تحوّل آخر في مسيرة الحزب الداخلية والاقليمية على حد سواء، فرغم ان خصومه وجدوها فرصتهم الموعودة لاسقاط كل المحور الداعم له مقدمة لمعادلة اخرى، انخرط الحزب بعد اقل من عامين على بداية هذه الازمة في الميدان السوري بادئا مرحلة تحد كبير ووجودي له، ووالجاً عمق معادلة مختلفة نقلته من حزب لبناني محصور بالدور والجغرافيا والتأثير ومراقَب اممياً الى حزب عابر للحدود ووازن في معادلات الصراع الاقليمي الذي صار لاحقا صراعا دوليا، واكثر من ذلك صار حزباً بقوة جيوش.

عندما شنت اسرائيل حرب تموز على لبنان، كان ثمة تقدير اسرائيلي يقول ان الجسم العسكري للحزب لا يتعدى الستة آلاف مقاتل محترف تدربوا على خوض حروب عصابات وليست لديهم خبرة بمواجهات مع جيوش محترفة. والتقديرات عينها قالت ان ترسانة الحزب يومها لا تحوي اكثر من اربعين الف صاروخ.

اما الان وبعد اقل من عقد من السنين، فان تقديرات متقاطعة تتحدث عن ان الحزب قادر على حشد ما يقرب من 150 الف مقاتل، فضلا عن ترسانة صواريخ تختزن ما لا يقل عن 140 الف صاروخ بينها طرازات متطورة جدا من حيث المدى والقدرة التدميرية.

في حسابات الحزب الداخلية انه في عام 2006 كانت الساحة العراقية مقفلة تماما في وجهه، اما الان فالحزب صار حاضرا في هذه الساحة عبر اذرع عسكرية عدة تتدرب تدريبه وترفع شعاراته وتحاكي عقيدته واعتقاداته. ووجود الحزب في الساحة السورية ليس مقصورا على المقاتلين، بل هناك سعي لحضور اوسع واعمق يكتسب طابع الاستمرارية والديمومة. قبل العقوبات المالية الاميركية والغربية على الحزب كانت التبرعات المالية للحزب متواضعة ومحدودة جدا، اما الان فان صناديق التبرع المخصصة لهيئة دعم المقاومة الموزعة على البيوت والمحال والمؤسسات والشوارع والاحياء صارت تتعدى الـ 200 الف صندوق حصيلتها اليومية ملايين الليرات.

فرق شاسع بين حزب التحرير عام 2000 وبين الحزب ذي القوة الاقليمية الممتدة اليوم.

المهم انه بعد هذا التاريخ الطويل اجابت التطورات المتسارعة والمكثفة تلقائيا عن السؤال الذي وجِّه الى الحزب في ايار عام 2000 والذي كان الحزب نفسه يجهله.

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: